إيران… بؤرة أزمات ومشروع تمدد
بقلم: سام تاج الدين

منذ قيام نظام ما أطلقوا عليها الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، تحولت إيران إلى لاعب إقليمي مثير للجدل، ليس فقط بسبب تطلعاتها السياسية التوسعية الدينية المذهبية والطموح النووي والعسكري، بل أيضاً بسبب الأساليب التي تنتهجها لتعزيز نفوذها خارج حدودها. فبدلاً من بناء علاقات طبيعية قائمة على التعاون بين الدول، عوّلت طهران على استراتيجية تقوم على توسيع النفوذ عبر خلق الأزمات، وتغذية الصراعات، ودعم الجماعات والمليشيات الإرهابية المسلحة، وبث النعرات الطائفية الدينية، ونشر التشييع، الأمر الذي انعكس سلباً على استقرار عدد كبير من دول المنطقة.
عدوان 28 فبراير 2026… رسالة عدائية صريحة للخليج
في تطور خطير كشف حجم التوتر الإقليمي المؤدلج، شهد يوم 28 فبراير/شباط 2026 بداية هجوم إيراني واسع النطاق انضمَّ له أذرعها في لبنان عبر حزب الله وميلشيات الحوثي في اليمن، حيث تعرضت دول مجلس التعاون الخليجي لسلسلة هجمات باستخدام آلاف الطائرات المسيّرة والصواريخ بنحو عشرة أضعاف ما أطلقته إيران على إسرائيل.
وشملت الأهداف منشآت ومناطق في الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والكويت وقطر والبحرين، وسلطنة عمان، بالإضافة إلى في العراق وتركيا وقبرص وأذربيجان، وتسببت عبر إدخال حزب الله لساحة الحرب لدعم نظام المرشد بتدمير مناطق عدة في لبنان وتهجير ما يزيد عن 300,000 لبناني قسم منهم من البيئة الحاضنة للحزب، واظهر أن ولاءات الحزب هي للنظام الإيراني بشكل بحت، وتجاهله الفجّ لأرواح وممتلكات وحياة الشعب اللبناني ومصالحه.
هذا الهجوم مثّل مؤشراً واضحاً على تصاعد المواجهة المباشرة في المنطقة، مما يعكس حجم التوتر الكامن بين النظام الإيراني وعدد من الدول العربية والإقليمية، خاصة دول الخليج العربي، حيث قام النظام الإيراني باستهداف أهداف مدنية محضة من مطارات ومباني سكنية وتجارية وفنادق ومنشآت حيوية وغيرها تركزت خاصة على الإمارات العربية والكويت وقطر والبحرين، مما يعكس توجهه العدائي المتعمد لضرب الأمن والبنية التحتية لهذه الدول، وليس كما تزعم ضرب القواعد والمصالح الأمريكية.
سوريا… حرب طويلة بفعل التدخلات الخارجية
مع اندلاع الثورة السورية عام 2011 تدخلت إيران بشكل مباشر وبمؤازرة روسية لدعم نظام الهارب بشار الأسد، وقدمت دعماً عسكرياً وسياسياً ومالياً واسعاً شمل مستشارين عسكريين وجماعات مسلحة. هذا التدخل الإيراني كان عاملاً رئيسياً في إطالة أمد الصراع وإحالة سوريا إلى ساحة صراع وحرب أهلية ودينية دفع شعبها على إثرها ثمناً إنسانياً واقتصادياً باهظاً، وقامت بنشر التشييع والحسينيات واللطميات، وقامت بعمليات قتل عنصري ديني ممنهج واسع النطاق ضدّ المسلمين السنّة والمسيحيين، وإبادة منطق وقرى بأكملها بالاستعانة بذراعها الإرهابي حزب الله بمساعدة من قوات قسد والحشد الشعبي العراقي، لجانب عشرات الميليشيات التي استجلبتها وغذّتها ودعمتها بالسلاح والمال، وشردت وهجّرت واستولت على قرى ومناطق وبيوت بعشرات الألوف لصالح عناصرها، وانتهجت تغيير ديمغرافي ممنهج واسع.
لبنان… نفوذ مباشر وسيطرة عبر حزب الله
يتجلى النفوذ الإيراني في لبنان بوضوح من خلال دعم وتمويل وتسليح حزب الله الإرهابي الشيعي المُموّل والمدعوم والمُسيّس بالكامل من قبل النظام الإيراني الذي بات قوة عسكرية وسياسية مهيمنة داخل البلاد تسيطر وتفرض بواقع القوة قرارها على الدولة اللبنانية متخطية كافة الحدود كدولة داخل الدولة، الأمر الذي جرَ على لبنان خسائر هائلة انعكست على كافة مناحي الحياة.
حيث تحوّل الحزب مع مرور الوقت إلى أداة لفرض النفوذ الإيراني في لبنان، حيث يمتلك ترسانة عسكرية ضخمة ونفوذاً سياسياً واسعاً يفوق كثيراً نفوذ مؤسسات الدولة نفسها، وأنشأ مؤسسات اجتماعية ومالية موازية للدولة، وقامت الدولة اللبنانية مؤخراً بحظر كافة أنشطته العسكرية والأمنية، باعتبارها خارجة عن القانون.
هذا الواقع اللبناني أصبح عملياً رهينة معادلة غير متوازنة. دولة رسمية ضعيفة في مقابل تنظيم مُسلح مُترنّح ذو تبعية خارجية يمتلك قرار الأمر الواقع بالحرب والسلم داخل دولة ذات سيادة، وتسبب هذا التوغل بسلسلة أزمات سياسية واقتصادية عاشها لبنان خلال السنوات الماضية، ابتدأت منذ اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحرير عام 2005 الذي نفذه النظام الإيراني والسوري، وما تبعه من انقسامات حادة داخل المجتمع اللبناني، وآخرها زجّ لبنان في حرب لم يخترها.
العراق… نفوذ يتوسع على أنقاض الدولة
عقب الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 دخل العراق مرحلة فراغ سياسي وأمني عميق، اغتنمته إيران لتوسيع نفوذها داخل مؤسسات الدولة والمشهد السياسي، ومع مرور الوقت، ظهرت تشكيلات مُسلحة مُرتبطة بالمشهد المستحدث مثل قوات الحشد الشعبي التي تحولت إلى لاعب مؤثر في المعادلة السياسية والعسكرية، إلا أن هذا النفوذ ساهم في تعميق الانقسامات الداخلية وأضعف قدرة الدولة العراقية على استعادة سيادتها الكاملة، وتغلغلت في مفاصل الدولة ونصّبت ودعمت المسؤولين الموالين لطهران ولسياساتها من أعلى رأس السلطة لأدناها.
اليمن… حرب استنزاف طويلة
دعمت إيران جماعة الحوثي الشيعية في اليمن التي أجّجت استمرار حرب اليمن عبر التدريب والتسليح والخبرات العسكرية والدعم اللوجستي والمخابراتي، هذا الدعم ساهم في تأجيج الحرب وتعميق الأزمة الإنسانية التي يعيشها الشعب اليمني، وكذلك فرض سيطرة على مضيق باب المندب وبالتبعية على قناة السويس.
أفغانستان… صراع نفوذ في ساحة مضطربة
في أفغانستان ارتبط الدور الإيراني بمرحلة ما بعد أحداث 11 سبتمبر، حين دخلت البلاد مرحلة جديدة من الصراع الدولي والإقليمي. حيث استغلت طهران حالة الفوضى لتعزيز نفوذها عبر دعم قوى محلية مختلفة والتدخل في المشهد الأمني والسياسي، ما ساهم في تعقيد المشهد الأفغاني وإطالة أمد الصراع الداخلي.
مصر … طموحات التشييع
تخشى بعض الأوساط السياسية في مصر من محاولات توسيع النفوذ الإيراني الثقافي والمذهبي الشيعي في المنطقة، خصوصاً في ظل التنافس الإقليمي على النفوذ.
فلسطين
تتصنع إيران إنها تدعم القضية الفلسطينية وتساند حركات مثل حماس وحركة الجهاد الإسلامية. لكن هذا الدعم يُستَخدم سياسياً لتعزيز نفوذها الإقليمي أكثر من كونه حلاً فعلياً للصراع مع إسرائيل. حيث أن إيران لم تقدم لهذه الحركات سوى الكلام والوعود الخاوية بدون أي دعم فعلي على أرض الواقع، وتخلت عنها مع أول اختبار فعلي على الأرض.
شبكات المخدرات والسلاح
أسهمت إيران بشكل مباشر بإنشاء وتشغيل شبكات واسعة مرتبطة بجهات نافذة داخلها تعمل على إنتاج وتهريب المخدرات والأسلحة عبر عدة قارات، وتشير تقارير دولية إلى أن طرق التهريب المُمتدة من آسيا الوسطى مروراً بالشرق الأوسط وصولاً إلى أوروبا وأمريكا اللاتينية أصبحت جزءاً من اقتصاد ظِلّ يعتمد على الاتجار بالمخدرات والأسلحة وغيرها، وهي أحد أهم مصادر التمويل الرئيسية للشبكات المسلحة التابعة لها في المنطقة.
سياسة الاغتيالات خارج الحدود
اتهمت جهات دولية إيران مراراً بالوقوف وراء عمليات أو محاولات اغتيال لشخصيات سياسية ومعارضين في عدد من الدول، هذه السياسة تهدف إلى إسكات الخصوم وتوسيع النفوذ عبر الترهيب السياسي، ما جعل نشاط الأجهزة المرتبطة بالدولة الإيرانية موضع قلق دائم لدى العديد من الحكومات.
قمع الداخل الإيراني
في الداخل، تتهم منظمات حقوقية وإنسانية السلطات في إيران باستخدام القبضة الأمنية الدموية لقمع الاحتجاجات الشعبية التي تتكرر بين الحين والآخر، وقد لعب الحرس الثوري الإيراني دوراً محورياً في السيطرة على مفاصل الاقتصاد والسياسة، حتى بات في نظر كثيرين أحد أقوى المراكز الاقتصادية والعسكرية في البلاد، حيث تشير الأرقام لوقوع ما لا يقل عن 12,000 قتيل مدني على يد أدوات القمع الأمنية الإيرانية في الاحتجاجات التي قامت ضد النظام، وتذهب إلى أن الأرقام قدّ تتجاوز 30,000 قتيل.
اقتصاد تحت قبضة الحرس الثوري
لا يقتصر نفوذ الحرس الثوري على الجانب العسكري، بل يمتد إلى كافة مفصال الدولة والاقتصاد، من الطاقة إلى التجارة والزراعة والصناعة والبنية التحتية والعسكرية والسياسية تحت الغطاء الديني. هذا الاحتكار أدى إلى إضعاف الاقتصاد الوطني وحرمان الشعب الإيراني من الاستفادة الحقيقية من ثروات بلاده الطبيعية، بدعم من رؤوس النظام على رأسهم المرشد الأعلى وأولاده والمقربون منه الذي يمتلك وأسرته مليارات الدولارات في البنك داخل وخارج إيران وعقارات واستثمارات في كافة أنحاء العالم.
نشر النفوذ المذهبي
يوجه النظام الإيراني إمكانياته لتوسيع نفوذه عبر نشر التشييع الديني السياسي في عدد من الدول، مستند إلى خطاب ديني يمنح سياستها الخارجية غطاءً عقائدياً. حيث أن هذا النهج في استخدام الدين في الصراعات السياسية أدى إلى زيادة التوترات المذهبية في العديد من المجتمعات، وممارسة التطهير الديني في العديد من المناطق.
يرى منتقدو النظام الإيراني أن المشكلة لا تكمن في الدين ذاته، بل في توظيفه كأداة سياسية لتبرير التوسع والنفوذ. فحين تتحول الشعارات الدينية إلى وسيلة للهيمنة السياسية، تصبح النتيجة مزيداً من الانقسام والصراع بدلاً من التقارب والاستقرار.
ختاماً، لم يعد من الممكن تجاهل التناقض الصارخ بين الخطاب المعلن والممارسات على أرض الواقع. فبينما تُرفع شعارات نُصرة المستضعفين ومواجهة الهيمنة، تشير الوقائع عل أكثر من ساحة إقليمية إلى دور يؤجج الانقسام ويعمّق الأزمات ويغذي الصراعات عِوضً عن أن يُسهم في فضِّها.
المنطقة اليوم بما كابدته من صراعات وحروب واستنزاف طويل، لم تعد تحتمل مزيداً من مشاريع النفوذ أو الحروب بالوكالة. فالشعوب العربية باتت تتطلع إلى الاستقرار والأمن والإنماء الاقتصادي لبناء دول قوية ذات سيادة، قادرة على تلبية طموحات مواطنيها، بعيداً عن استغلال الدين المحرَّف أو الشعارات الأيديولوجية كمطية لتحقيق مآرب سياسية
وعلى المقلب الآخر، لا يمكن إغفال الدور الذي تنتهجه بعض القوى الخارجية، ولا سيما الغربية منها، في تعميق الانقسامات المذهبية والطائفية والسياسية لإبقاء المنطقة في دائرة التوتر والاستنزاف، عبر سياسات تُفضي إلى إضرام صراعات جديدة أو تغذية القائم منها، بما يفتح أسواقاً واسعة للسلاح ويكرّس التبعية السياسية والاقتصادية.
إن كشف التناقضات وتعرية الخطابات المُضللة سيما التي تتخذ الدين المّحرّف منحى وذريعة، لا يعني الانحياز لطرفٍ آخر، بقدر ما هو دعوة صريحة إلى وعي سياسي يَميز بين الشعارات والواقع، وتَحيد هذا المدّ المتأسلم المُدعي ذو الفكر المُتطرف بتوجهاته النزّاعة لاستخدام الآخرين والدين والإرهاب كأدوات لتنفيذ أهدافه حتى وإن أدّى هذا لزعزعة وتقويض دول بأسرها. فالتحدي الحقيقي يكمن في إدراك أن أخطر الخصوم عداوة ليس من







