الرئيسان البرازيلي والإماراتي يبحثان تعزيز الشراكة الاستراتيجية
أبوظبي: سام تاج الدين

في تطورٍ يعكس عمق العلاقات الثنائية وتسارع وتيرتها، أجرى سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، مباحثات موسعة في أبوظبي مع لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، رئيس جمهورية البرازيل الاتحادية، تناولت سبل الارتقاء بالشراكة الاستراتيجية بين البلدين إلى مستويات أكثر تكاملاً وشمولاً، في ظل التحولات الاقتصادية والجيوسياسية المتسارعة عالمياً.
أكد الجانبان خلال اللقاء أن العلاقات الممتدة لأكثر من خمسين عاماً عل شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد تشهد مرحلة نوعية جديدة، تقوم على الانتقال من التعاون التقليدي إلى شراكات قائمة على الابتكار والاستثمار طويل الأمد، وقد ركزت المباحثات على النقاط التالية:
الاقتصاد والتجارة والاستثمار: تنامى حجم التبادل التجاري غير النفطي خلال السنوات الأخيرة، مع تزايد اهتمام الصناديق الاستثمارية الإماراتية بقطاعات البنية التحتية والطاقة والزراعة في البرازيل، مقابل توسع الشركات البرازيلية في أسواق الدولة، خصوصاً في قطاعات الصناعات الغذائية والطيران والخدمات.

الأمن الغذائي والزراعة المستدامة: في ضوء المكانة العالمية للبرازيل كإحدى أكبر الدول المصدّرة للمنتجات الزراعية والحيوانية، أكد الطرفان أهمية تعزيز الشراكات الزراعية وسلاسل الإمداد، بما يدعم استراتيجية الأمن الغذائي الإماراتية ويضمن استدامة التوريد.
الطاقة المتجددة والتحول المناخي: شدد الجانبان على أهمية التعاون في مجالات الطاقة النظيفة، بما يشمل الوقود الحيوي والهيدروجين الأخضر، والاستفادة من خبرات البرازيل في الإيثانول الحيوي، إلى جانب خبرة الإمارات في مشاريع الطاقة الشمسية والاستثمار في التحول الطاقي.
التكنولوجيا المتقدمة والفضاء: بحث الجانبان فرص التعاون في مجالات الابتكار، والذكاء الاصطناعي، واقتصاد الفضاء، في إطار سعي البلدين لتنويع اقتصادهما وتعزيز تنافسيتهما عالمياً.
الخدمات اللوجستية والموانئ: نظراً للموقع الاستراتيجي للإمارات كمركز عالمي للنقل، والدور المتنامي للبرازيل في سلاسل التوريد العالمية، جرى التأكيد على تطوير مسارات لوجستية جديدة تعزز الربط التجاري بين الخليج وأميركا الجنوبية.
وتناول اللقاء أيضاً التقدم في اتفاقية الشراكة الاقتصادية بين دولة الإمارات وتجمّع السوق المشتركة لأميركا الجنوبية “ميركوسور”، حيث وصلت المحادثات إلى مراحلها النهائية تمهيداً لإبرام اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة، ومن المتوقع أن تسهم هذه الاتفاقية في خفض الرسوم الجمركية وتعزيز انسياب السلع والخدمات، وتوسيع فرص الاستثمار المتبادل، ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة في دخول أسواق جديدة، وكذلك تعزيز التكامل بين اقتصادات الخليج وأميركا الجنوبية.
وتشير تقديرات اقتصادية برازيلية إلى أن الاتفاق سيفتح آفاقاً مهمة للصادرات الزراعية والصناعية، كما يمنح الشركات الإماراتية وصولاً أوسع إلى أسواق تضم أكثر من 270 مليون نسمة.
على الصعيد السياسي، تبادل الرئيسان وجهات النظر حول القضايا الإقليمية والدولية والتنسيق السياسي الدولي ذات الاهتمام المشترك، مؤكدين أهمية دعم الحلول السلمية وتعزيز دور الدبلوماسية متعددة الأطراف. كما شددا على أهمية احترام القانون الدولي والعمل المشترك داخل الأطر الأممية لترسيخ الاستقرار العالمي.

ويأتي هذا اللقاء امتداداً لمسار من الزيارات المتبادلة رفيعة المستوى بين البلدين خلال السنوات الماضية، شملت زيارة الرئيس البرازيلي السابق جايير بولسونارو إلى الدولة عام 2021، التي شهدت توقيع عدد من الاتفاقيات في مجالات التعليم والدفاع ونقل المحكوم عليهم والتعاون البحثي، إضافة إلى مشاركة برازيلية لافتة في الفعاليات الاقتصادية الدولية التي استضافتها الإمارات آنذاك.
كما تعكس هذه الزيارات المتبادلة توافقاً استراتيجياً بين القيادتين في أبوظبي وبرازيليا، ودعماً من قيادات البلدين، ومنهم سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، لتعزيز الروابط الاقتصادية والثقافية والسياحية والرياضية.
تؤكد المعطيات الحالية أن العلاقات الإماراتية – البرازيلية تدخل مرحلة أكثر عمقاً ذات آفاق مستقبلية منفتحة، قوامها التنويع الاقتصادي، والاستثمار في الاقتصاد الأخضر، وتعزيز الأمن الغذائي، والانفتاح على أسواق جديدة، ومع اقتراب استكمال اتفاقية الشراكة مع «ميركوسور»، تبدو الفرصة مهيأة لترسيخ محور اقتصادي متنامٍ يربط الخليج بأميركا الجنوبية، ويعزز مكانة البلدين كلاعبين مؤثرين في النظام الاقتصادي الدولي.
بهذا، تمثل الزيارة محطة استراتيجية جديدة في مسار التعاون، تعكس إرادة سياسية واضحة لترجمة الشراكة التاريخية إلى مشاريع عملية واستثمارات مستدامة ذات أثر طويل المدى على شعبي البلدين.







