البرازيل في انتخابات 2026، صراع على توجه البلاد وعلاقاتها الخارجية

لم تعد الانتخابات الرئاسية البرازيلية المقررة في 4 أكتوبر/تشرين الأول 2026 شأناً داخلياً فحسب. فالبرازيل أكبر دول أميركا اللاتينية سكاناً واقتصاداً، وموقفها من الولايات المتحدة وإسرائيل وفلسطين ينعكس على توازنات المنطقة.
يتنافس على الرئاسة عدد من المرشحين، لكن المواجهة الأبرز تدور بين الرئيس الحالي “لويس إيناسيو لولا دا سيلفا”، الساعي إلى ولاية جديدة، والسيناتور “فلافيو بولسونارو”، مرشح الحزب الليبرالي ووريث الاسم السياسي لعائلته، وقد أقرّ القضاء الانتخابي ترشيح الاثنين.
“فلافيو بولسونارو” محامٍ وسياسي من ولاية ريو دي جانيرو. انتُخب نائباً في المجلس التشريعي للولاية ابتداءً من عام 2003، ثم عضواً في مجلس الشيوخ الاتحادي منذ عام 2019، وهو الابن الأكبر للرئيس السابق “جايير بولسونارو”، المُدان الذي ينفذ عقوبة السجن حالياً في جرائم قيادة مؤامرة وتنظيم محاولة انقلاب عسكري للبقاء في السلطة، والمشاركة الفاعلة في تأسيس وإدارة منظمة إجرامية مسلحة، ومحاولة إلغاء حكم القانون والدستور الديمقراطي بالقوة والعنف، ولتورطه في إتلاف ممتلكات حكومية وأصول تراثية وثقافية محمية، وقد قدّم حزبه رسمياً مرشحاً للرئاسة في يوليو/تموز، بوصفه امتداداً سياسياً لوالده، والذي يحمل الكثير من أفكاره وتوجهاته.
وفي السياسة الخارجية، ارتبط عهد “جايير بولسونارو” بتقارب وثيق مع واشنطن في عهد دونالد ترامب ومع حكومة بنيامين نتنياهو. زار بولسونارو إسرائيل عام 2019، وأعلن إنشاء مكتب تجاري برازيلي في القدس، فيما أثار احتمال نقل السفارة إليها خلافاً إقليمياً ودبلوماسياً. لكنه لم ينقل السفارة فعلياً.
أما ابنه فلافيو، فقد استثمر هذه الصلات في حملته، فقد تلقى من “نتنياهو” رئيس وزراء اسرائيل رسالة تأييد مصوّرة خلال إعلان ترشيحه، وظهر الرئيس الأرجنتيني “خافيير ميلي” مؤيداً له خلال المناسبة، وهذه مؤشرات واضحة على اتجاه الحملة وشبكة حلفائها.
“لويس إيناسيو لولا دا سيلفا”، النقابي والرئيس الأسبق والحالي، يتبنى خطاباً يركّز على التعددية واستقلالية القرار البرازيلي، ويعارض التدخل الخارجي في شؤون بلاده خاصة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، وقد وجّه انتقادات حادة للحرب الإسرائيلية على غزة، واستدعت حكومته سفيرها من إسرائيل في مايو/أيار 2024 وسط تصاعد التوتر بين البلدين، بموقف يتصف بالمواجهة السياسية والانتقاد الشديد.
برزت المخاوف من التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية البرازيلية في يوليو/تموز 2026، حين رفضت البرازيل منح تأشيرات لمسؤولين أميركيين كانا يعتزمان زيارة برازيليا قبل الانتخابات، حيث أوضحت وزارة الخارجية الأميركية إن الزيارة كانت مقررة لعقد اجتماعات بشأن نزاهة الانتخابات وحرية الدين والتعبير. في المقابل، اشتبه مسؤولون برازيليون في أن الوفد قد يثير الشكوك حول نظام التصويت الإلكتروني في البلاد، والتدخل لدعم “بولسونارو” الموالي لأمريكا، وبقي هذا موضع خلاف بين الحكومتين، فواشنطن وصفت الزيارة بأنها روتينية، بينما رأت برازيليا أنها قد تمسّ العملية السياسية.
كما أخّرت البرازيل الموافقة الدبلوماسية على تعيين داني بيريز سفيراً أميركياً لدى برازيليا، وذكرت رويترز أن مسؤولين برازيليين قالوا إن الموافقة قد لا تُحسم قبل انتخابات أكتوبر، مع تأكيدهم أنهم لم يرفضوا الترشيح رسمياً، وأشارت تقارير لاحقة إلى أن واشنطن ردّت بإلغاء تأشيرة السفيرة البرازيلية لديها، في تصعيد يوضح مدى تدهور العلاقات.
يؤكد “لولا” على أهمية السيادة المالية وحدود الوقائع وتوسيع التجارة والتسويات المالية بين دول «بريكس» بالعملات المحلية، وتقليل الاعتماد على قنوات الدفع التقليدية التي تهيمن عليها المؤسسات الغربية، وأقرت قمة بريكس في نيودلهي في 2026 مواصلة بحث قابلية التشغيل المتبادل بين أنظمة الدفع، وتشجيع التسويات التجارية والاستثمارية بالعملات الوطنية، مع احترام أولويات كل دولة. لكن هذا المسار ما زال تعاوناً قيد التطوير، ولكنه يشهد تطور وتوسع كبير ومتسارع وتنضم إليه العديد من الدول حول العالم.
أما «بيكس» (PIX)، فهو نظام الدفع الفوري البرازيلي المستخدم محلياً، وقد أطلقه البنك المركزي في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، وتبنّته حكومة لولا ودافعت عن استمراره بوصفه بُنية دفع وطنية واسعة الاستخدام، يتولى البنك المركزي تشغيله وتنظيمه، يقوم الدفع والتحويل المالي المجاني والآني خلال ثوان بين كافة الحسابات البنكية الشخصية والتجارية كنظام وطني موحّد تستخدمه البنوك ومؤسسات الدفع في البرازيل، وقد أصبح «بيكس» أيضاً موضع خلاف تجاري مع واشنطن، التي فتحت تحقيقاً بشأن ممارسات الدفع الإلكتروني في البرازيل، وطبعاً يعود السبب الحقيقي للخسائر الهائلة التي تكبدها شركتا فيزا وماستر كارد الأمريكيتين بسبب هذا النظام، وهو ما غذّى في برازيليا النقاش حول حماية النظام المالي الوطني، ويجدر الذكر أن الدفاع عن نظام «بيكس» يرتبط بمسألة من يضع قواعد البنية الرقمية والمالية ويدير بياناتها، لا بمجرد منافسة بطاقات الائتمان.
إذا فاز “لولا”، فمن المرجح أن تستمر البرازيل في تبنّي خط أكثر استقلالاً عن واشنطن، مع انتقاد سياسة إسرائيل في غزة وسياستها العنصرية والإبادة الجماعية، والدفاع عن دور أكبر للوساطة والمؤسسات الدولية. أما فوز ” بولسونارو” فقد يقرّب البلاد من تيار والده وعلاقات أدفأ مع حكومات اليمين في واشنطن وإسرائيل والأرجنتين، على الرغم من الرفض الشعبي لهذا التوجه داخل البرازيل. لكن حجم هذا التحول سيتوقف على برنامجه، والكونغرس، والظروف الاقتصادية، لا على الاصطفاف الأيديولوجي وحده.
إن موقف البرازيل نحو فلسطين وإسرائيل يجب أن ينظر له من زاوية المصالح ولا يقتصر على المواقف الشخصية للرئيس، فهو يتصل أيضاً بدعم حل الدولتين، وبمصالح البرازيل الدبلوماسية والتجارية، وبحسابات جمهورها الداخلي، فالبرازيل تحاول الحفاظ على علاقاتها التجارية مع الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي في آن واحد. لذلك قد يدفع الاعتماد الاقتصادي المتبادل أي رئيس إلى التفاوض والبراغماتية، حتى مع وجود خلافات سياسية.

البرازيل… آخر القوى الكبرى في أميركا اللاتينية خارج الاصطفاف مع واشنطن وإسرائيل، فهل تبقى مع “لولا” أم يتغير المسار مع فلافيو بولسونارو. ما يجري في أميركا اللاتينية لم يعد مجرد موجة انتخابية عابرة بين اليمين واليسار.
خلال فترة قصيرة، استعادت الولايات المتحدة مساحة واسعة من نفوذها السياسي والعسكري والأمني في القارة، بالتزامن مع صعود حكومات يمينية ومحافظة في عدد من أهم دول المنطقة، والمستفيد الأكبر من هذا التحول إلى جانب واشنطن هو إسرائيل، التي تجد في كثير من الحكومات اليمينية الجديدة حلفاء أكثر قرباً منها سياسياً وأيديولوجياً، والأحداث خلال الأشهر الماضية تكشف حجم التحول.
فنزويلا، التدخل الذي وصل إلى القوة العسكرية، في 3 يناير/كانون الثاني 2026، نفذت الولايات المتحدة عملية عسكرية داخل الأراضي الفنزويلية، انتهت باعتقال الرئيس “نيكولاس مادورو” وزوجته “سيليا فلوريس” ونقلهما إلى الولايات المتحدة. كانت تلك واحدة من أكثر عمليات التدخل الأميركي المباشر في أميركا اللاتينية إثارة منذ عقود. البرازيل أدانت العملية بشدة، ووصف الرئيس “لولا دا سيلفا” العملية بأنها تجاوز لـ«خط غير مقبول» واعتداء خطير على سيادة فنزويلا.
كولومبيا، انقلاب كامل في الاتجاه السياسي بعد سنوات من التوتر بين واشنطن وحكومة “غوستافو بيترو” اليسارية، جاء انتخاب اليميني “أبيلاردو دي لا إسبرييلا” ليعيد كولومبيا بسرعة إلى المحور الأميركي. الإدارة الكولومبية الجديدة أعادت العلاقات مع إسرائيل، ووسعت التعاون العسكري والأمني مع الولايات المتحدة، وانضمت كولومبيا إلى تحالفات إقليمية أمنية تقودها واشنطن. بل وصل الأمر في أغسطس/آب 2026 إلى الحديث عن تعاون وعمليات عسكرية مشتركة أميركية – كولومبية ضد الجماعات المسلحة وتجار المخدرات، وهكذا عادت كولومبيا، إحدى أهم دول القارة استراتيجياً بقوة إلى التحالف مع واشنطن وإسرائيل.
الباراغواي، حليف قديم يتحول إلى شريك أمني أكبر، فعلاقاتها بواشنطن قديمة وقوية، وعلاقتها بإسرائيل من الأقوى في أميركا الجنوبية، وفي مارس/آذار 2026 أقر برلمان الباراغواي اتفاقاً دفاعياً يسمح بوجود مؤقت للقوات والعاملين العسكريين الأميركيين والتدريبات والمناورات والمهمات المشتركة. الاتفاق هذا يوسع بصورة واضحة مساحة الحضور والتعاون العسكري الأميركي داخل البلاد. أما إسرائيل، فباراغواي تعد منذ سنوات أحد أقرب حلفائها السياسيين في أميركا اللاتينية.
الأرجنتين، المثال الأكثر وضوحاً مع وصول “خافيير ميلي” إلى الحكم، أصبحت الأرجنتين من أقرب حلفاء واشنطن وإسرائيل في القارة. “ميلي” لا يخفي انحيازه السياسي ودعمه الامحدود لإسرائيل، وأصبحت العلاقة معها جزءاً أساسياً من توجه سياسته الخارجية، وهذا التحول مهم للغاية لأننا لا نتحدث عن دولة صغيرة، بل عن ثاني أكبر اقتصاد في أميركا الجنوبية وإحدى أهم دولها سياسياً.
الإكوادور وبيرو وبوليفيا وتشيلي، شهدت هي الأخرى صعوداً لليمين وتغيرات سياسية أبعدتها بدرجات مختلفة عن الموجة اليسارية التي سيطرت على جزء كبير من أميركا الجنوبية في السنوات السابقة.
ليست كل هذه الحكومات متطابقة، وليست كلها بالدرجة نفسها من الارتباط بواشنطن أو إسرائيل، لكن الاتجاه الإقليمي العام تغير بصورة واضحة.
ثم تأتي بنما، حيث أن دونالد ترامب لم يتعامل مع القناة باعتبارها ملفاً بعيداً عن المصالح الأميركية، فمنذ عودته إلى البيت الأبيض، تحدث مراراً عن ضرورة استعادة قناة بنما، واتهم الصين بتوسيع نفوذها حول هذا الممر الاستراتيجي، وأوضح في خطاب تنصيبه إن الولايات المتحدة أعطت القناة إلى بنما وإنها ستقوم بـ«استعادتها». بغض النظر عن إمكانية تنفيذ ذلك قانونياً أو سياسياً، فإن الرسالة واضحة وهي فرض سياسة أمريكا.
الهدف الرئيسي لواشنطن هو إعادة فرض ثقلها في نصف الكرة الغربي ومنع الصين من تحويل أميركا اللاتينية إلى منطقة نفوذ منافسة لها، وهنا تدخل إسرائيل على الخط، فكلما توسع نفوذ واشنطن وعادت الحكومات اليمينية والمحافظة إلى السلطة، تصبح البيئة السياسية أكثر ملاءمة لإسرائيل، وهذا ليس مجرد استنتاج. فإسرائيل أعلنت أن أميركا اللاتينية إحدى ساحات تركيز سياستها الخارجية خلال 2026، وبدأت واشنطن وتل أبيب تنسيقاً استراتيجياً بشأن القارة، والنتيجة التي نراها اليوم عبر علاقات قوية مع الأرجنتين والباراغواي والإكوادور، وعودة العلاقات مع كولومبيا، وتشيلي ومحاولات فتح واستعادة علاقات في دول أخرى. إن عودة النفوذ الأميركي تمهد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مساحة أكبر للتحرك الإسرائيلي، وتبقى هنا البرازيل الحلقة الأكبر خارج هذا الاصطفاف، وهي أكبر دولة في أميركا الجنوبية، وصاحبة أكبر ثقل سكاني واقتصادي وسياسي في القارة.
وتجدر الإشارة إلى أن المشهد الإقليمي أوسع من ثنائية اليمين واليسار، وأن الحديث عن عودة نفوذ أميركي أو اتساع نفوذ إسرائيلي ينبغي أن يستند إلى وقائع كل بلد على حدة. أما في البرازيل، فهناك مؤشرات ملموسة على تقارب بولسونارو مع نتنياهو وترامب، وعلى خلافات بين حكومة لولا وواشنطن وإسرائيل؛ لكن ذلك لا يجعل جميع حكومات أميركا اللاتينية جزءاً من محور واحد، ولا يُدلّل أن الانتخابات البرازيلية وحدها ستحسم اتجاه القارة.
والبرازيل إحدى القوى الإقليمية والعالمية، والعلاقة بين الخطاب والواقع والتحوّل السياسي الخارجي لا يحدث تلقائياً بفوز مرشح، فالكونغرس، والجيش، والاقتصاد، والمؤسسات الدبلوماسية تقيّد قرارات الرئيس. هذا سيخفف حتماً إلى اصطفاف كامل مع واشنطن وإسرائيل.
المعركة المقبلة، إذاً، ليست استفتاءً بسيطاً على علاقة البرازيل بإسرائيل أو الولايات المتحدة. إنها مواجهة بين رؤيتين لمكانة البلاد في العالم، بل رؤية تميل إلى التقارب الأيديولوجي مع اليمين الأميركي والإسرائيلي، وأخرى تؤكد استقلال القرار البرازيلي وتنتقد سياسات واشنطن وتل أبيب، ونتيجة الانتخابات ستحدد أي الرؤيتين ستحظى بتفويض الناخبين، مع التنبه إلى أن اتجاه القارة يتأثر بنتائج الانتخابات والسياسات الاقتصادية والتحالفات في كل بلد ويخضع للتغيرات بين الفينة وأخرى.







